عبد الله بن أحمد النسفي

248

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 84 إلى 87 ] وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ( 84 ) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 85 ) وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 86 ) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ( 87 ) فِرْعَوْنَ إلّا طائفة من ذراري بني إسرائيل ؛ كأنه قيل إلّا أولاد من أولاد قومه ، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا من فرعون وأجابته طائفة من أبنائهم مع الخوف ، أو الضمير في قومه لفرعون ، والذرية مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطته ، والضمير في وَمَلَائِهِمْ يرجع إلى فرعون بمعنى آل فرعون ، كما يقال ربيعة ومضر ، أو لأنه ذو أصحاب يأتمرون له ، أو إلى الذرية أي على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل لأنهم كانوا يمنعون أعقابهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم ، دليله قوله أَنْ يَفْتِنَهُمْ يريد أن يعذبهم فرعون وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ لغالب فيها قاهر وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ في الظلم والفساد وفي الكبر والعتوّ بادعائه الربوبية . 84 - وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ صدّقتم به وبآياته فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا فإليه أسندوا أمركم في العصمة من فرعون إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ شرط في التوكّل الإسلام ، وهو أن يسلموا نفوسهم للّه ، أي يجعلوها له سالمة خالصة لا حظّ للشيطان فيها ، لأنّ التوكّل لا يكن مع التخليط . 85 - فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا إنما قالوا ذلك لأنّ القوم كانوا مخلصين ، لا جرم أنّ اللّه قبل توكّلهم وأجاب دعاءهم ونجاهم وأهلك من كانوا يخافونه وجعلهم خلفاء في أرضه ، فمن أراد أن يصلح للتوكل على ربّه فعليه برفض التخليط إلى الإخلاص رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ موضع فتنة لهم ، أي عذاب يعذبوننا ، أو يفتنوننا عن ديننا أي يضلوننا ، والفاتن المضلّ عن الحقّ . 86 - وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ أي من تعذيبهم وتسخيرهم . 87 - وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً تبوأ المكان اتخذه مباءة ، كقوله توطّنه إذا اتخذه وطنا ، والمعنى اجعلا بمصر بيوتا من بيوته مباءة لقومكما ومرجعا يرجعون إليه للعبادة والصلاة فيه وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً أي مساجد متوجهة نحو القبلة ، وهي الكعبة ، وكان موسى ومن معه يصلون إلى الكعبة